Wednesday, 13 January 2016

بين العلم واللا-علم
د. توفيق شومر

وقد تكون نقطة البدء المنطقية في العلاقة بين العلم والمجتمع هي تعريف العلم وتحديد الاختلاف بين العلم واللا-علم. يعرف الكثيرون العلم على أنه نشاط منظم من الاستكشاف يراد منه الوصول إلى حقيقة ما. ويتضمن العلم هدفاً تفسيرياً تبريرياً لتوضيح الأسباب الكامنة وراء الظواهر الطبيعية. ولكن هذه الميزات لا تنحصر بالعلم وبالتالي لا يمكننا أن نلتزم بها فقط أذا ما أردنا توضيح معنى العلم.
أذن فلا بد من تحديد وتوضيح هذا التعريف. ولكي نستطيع القيام بذلك فلا بد لنا أن نوضح حدود العلم وموضوعه لكي نستطيع أن نلتزم بمخرجاته. نقول إن حقل تطبيق العلم هو العالم الطبيعي، حيث يمكن التحقق من صدق مقولات العلم إما بشكل مباشر أو غير مباشر. وبالتالي فإن كل ما يتعلق بموضوعات ما وراء الطبيعة من غيبيات أو ماورائيات، أو قضايا إيمانية لا يمكن التحقق منها على المستوى الطبيعي تندرج كلها في فلك الاعتقادات وتخرج من فلك العلم.
وبذلك يكون معنى العلم: هو جملة التفسيرات والنظريات والمناهج التي يقدمها البشر لتفسير أو للتعرف على خصائص موجودات العالم الطبيعي من ظواهر وكائنات وعلاقات بين هذه الكائنات أو الظواهر.
السؤال الأول الذي يتبادر للذهن بعد الإقرار بهذا التعريف هو لماذا يمكن اعتبار بعض التفسيرات والنظريات عن العالم الطبيعي تفسيرات ونظريات يمكن قبولها على أنها نظريات علمية بالرغم من غرابتها وعدم انسجامها مع الحس العام، بينما يحكم على كثير من النظريات الأخرى التي تتعامل مع العالم الطبيعي على أنها نظريات لا علمية؟ فقارئو الأبراج يقولون إنهم لم يصلوا إلى القدرة على معرفة الطالع والأبراج إلا بعد دراسة طويلة لأسرار "علم الأبراج" كما يسمونه. وهم يقولون إن استنتاجاتهم مبنية على حسابات دقيقة لعلاقة الكواكب والنجوم والأفلاك بيوم وساعة ميلاد الفرد، وبالتالي فإن ما يقدمونه من معلومات مبني على نظريات ومعلومات ودراسات وليس مبنياً على محض افتراضات. وبالرغم من هذا كله فإن قراءة الأبراج ليست علماً ومهما تطورت أساليب المنجمين بها من استخدام للكمبيوتر والتكنولوجيا الحديثة سيبقى هذا الشكل من البحث خارج إطار العلم.
وعلى الطرف الآخر للمعادلة وإلى اليوم، وعلى الرغم من معرفتنا الدقيقة بخطأ النظرية التي قدمها عالم البيولوجيا لامارك الذي عاش في القرن التاسع عشر حول إمكانية توريث الصفات المكتسبة، إلا أننا ما زلنا نعتقد أن لامارك عالم بيولوجيا مهم، وأن نظريته بالرغم من خطئها ما زالت تعتبر بأنها نظرية علمية أثبت فشلها.
وبالتالي فما هو الذي يفرق بين هذين المثالين؟ الفارق الأساسي هو في إمكانية التحقق من صدق التنبؤات التي يقدمها كل منهما، فبينما تعطينا إمكانية التنبؤ في العلم نتائج دقيقة عما يمكن أن يحدث في المستقبل ويمكننا أن نكون على يقين بأن ما تقوله لنا النظريات العلمية عن المستقبل بأنه سيحدث لا محالة، بينما لا نستطيع أن نركن إلى التنبؤات التي يقدمها لنا المنجمون. فعلى الرغم من أنهم يستطيعون أن يقدموا جملاً فضفاضة يمكن أن يتم تفسيرها على نحو مختلف لكل شخص، وبالتالي أن يصدقوا بحسب تفسير أحدهم بينما يكذبوا بحسب تفسير آخر، إلا أننا لا يمكننا أن نعتمد على التنبؤات التي يقدمونها.
في العلم نستطيع أن نقول بأن الماء سيتبخر عند درجة 100 مئوية، ونحن نثق أن هذا سيحدث بالفعل عندما تصل درجة حرارة الماء إلى 100، بينما عندما يقول منجم أن "أمامك سفر على بعد إشارتين"، فهذا وعلى الرغم من أنه يمكن أن يصدق لعموميته الشديدة (فالإشارتان يمكن أن تكونا: يومين، أسبوعين، شهرين، سنتين، عقدين، ....، وبالتالي فإنه من الممكن لكثير من الناس أن تصدق معهم التنبؤ)، ولكن مثل هذا التنبؤ بعيد عن أن يكون تنبؤاً علمياً. فنحن لا نستطيع أن ندرك بالضبط متى سيحدث السفر، وفي العلم لا مجال للتأويل بل يجب أن يكون هناك حكم واضح حول النتيجة الممكنة للتنبؤ.
ولولا إمكانية التنبؤ هذه لفشلنا في الوصول إلى ما وصلنا إليه من علم وتكنولوجيا: فالطائرات بنيت اعتماداً على قوانين الميكانيكا والموائع لتطير، ونحن نعرف أنها ستطير قبل أن تحلق في الفضاء، كما أننا نعرف أن البطاريات ستبقى تعمل ما لم تخدش أو تستهلك، ونعرف كيف نصنع التلفاز والكمبيوتر والسيارة ونعرف ما ينفع من علاج لمعظم الأمراض ونعرف ونعرف...    
وعلى الرغم من قولنا هذا فإن العلم الحديث، وخاصة ميكانيكا الكم تفشل في أن تحقق هذا الشرط في العلم بالمعنى الكلاسيكي له بل إن التنبؤ في ميكانيكا الكم يحتكم لمبدأ اللاتحديد والذي يقر بإمكانية معرفة النتيجة لواحدة من كميتين متوافقتين كالزخم أو الموقع، الزمن أو الطاقة، وهكذا.. وبالرغم من ذلك فإننا نعتبر ميكانيكا الكم من أدق النظريات التي فسرت ظواهر الطبيعة. لكن سأترك مشاكل ميكانيكا الكم إلى حلقة قادمة.
يبقى أن نؤكد بأن اللا-علم يرتبط بكل ما هو اعتقادي وبكل ما يقدم تفسيرات عن ظواهر هذا العالم تعتمد على مكونات أو اعتقادات خارجة عن هذا العالم، ولا يمكننا أن نتحقق من صحتها مهما حاولنا أن نفعل: كالتنجيم، وقراءة الطالع، والخرافة، والأشباح، وغير ذلك من خزعبلات.   


3 comments:

  1. يعطيك العافية دكتور توفيق,
    وراء هذا السؤال تكمن فلسفة العلم برمتها

    ReplyDelete
  2. "العلم" ليست كلمة متجانسة لا لبس فيها، بل تشير الى تعدد اللغات، والى استراتيجيات معرفية تعتمد على بحوث متعلقة بما هو قابل للملاحظة من خلال بناء نماذج تحتكك بالعالم"

    ReplyDelete