الثابت والمتحرك في العلم
د. توفيق شومر
يعتقد أغلب الناس، وحتى من يحمل شهادات
علمية في التخصصات الأساسية، بأن قوانين العلم هي قوانين الطبيعة التي لا نلعب دوراً في
صياغتها وإنما كل ما نفعله هو أن نكتشفها من خلال دراستنا التجريبية (أو النظرية
في بعض الأحيان) للعالم المحيط بنا. إن هذه النظرة محدودة الأفق وتجانب عين
الصواب.
ينزع الإنسان بطبعه إلى
البحث عن تعميم يريحه من التفكير بالتفاصيل المملة للأشياء. فهو لا يريد مثلاُ أن
يدخل في تفاصيل الاختلافات الخاصة بين بريطاني وبريطاني آخر، أو ياباني وياباني
آخر، ولذلك تجده يقول في أغلب الأحيان أن كل اليابانيين متشابهين ولا يستطيع أن
يميز بينهم في الشكل. وتترافق مع هذه النزعة للتعميم نزعة أخرى للبحث عن النظام
والانتظام في الأشياء ليستطيع أن يرابط بينها. وتبدأ هذه النظرة عند البشر منذ
الصغر. لذلك عندما ينظر الأطفال إلى الغيوم فأنهم يحاولون أن يجدوا نوعاً من
الانتظام، فيخال لهم مثلاً أن غيمة ما شكلها مثل النعجة وأخرى تشبه الجمل وهكذا.
وتعتمد الأشكال التي يتخيلها الأطفال على بعض الخطوط الموجودة في الغيوم وعلى
المخزون المعرفي الذي يحملونه. فهم يكملون الرسوم التي أمامهم بأشكال في مخيالهم
فيرابطون بين الخيوط ليصلوا إلى الأشكال التي يعتقدون أنهم يشاهدونها.
هذا التصرف لدى الأطفال
يشابه تصرفات البشر بشكل عام. ففي كثير من الأحيان ينزع العقل إلى وصل خطوط ما
لتتشكل صورة ما مألوفة له من خطوط عشوائية أمامه. ففي تقنيات الرسم مثلاً ينزع
الفنان إلى تحديد مجموعة من الخطوط التي يمكنها أن تحدد منظور معين لدى المتلقي
ويكتفي بهذه الخطوط ليعبر عن الشكل الذي يريد رسمه. ويمكن لمن يريد أن يستزيد
بالتمعن بمخاطر التخيل وما يمكنه أن يوصلنا إليه من صور ورسوم قد لا تكون موجودة
أن يذهب إلى الصفحة الالكترونية الخاصة بالأوهام التابعة لجامعة مانشستر ليقف على
العديد من هذه الأوهام الممكنة: http://dragon.uml.edu/psych/illusion.html .
فبالقدر ما تفتحه هذه
الحقيقة أمام العقل الإنساني من فرص لكي يتمكن من ربط الأمور مع بعضها البعض
والوصول إلى نتائج من مقدمات قد لا تكون مرتبطة ولكنها مترابطة، فإنها أيضاً تفتح
الآفاق نحو اقتراح ترابط قد لا يكون صحيحاً أو قد لا يساعد المعرفة الإنسانية.
وهذا ما يحدث في كثير من الأحيان في العلم.
هناك الكثير من الحقائق
العلمية المهمة التي لا يمكن لأي كان وعلى مدى قرون وقرون أن ينكرها أو أن يثبت
خطأها فهي انتقلت من إطار الفرضيات إلى إطار الحقائق العلمية الثابتة. ومن هذه
الحقائق على سبيل المثال حقيقة أن الماء المزاح من الوعاء يساوي حجم الجسم المغمور
بالماء داخله. هذه الحقيقة العلمية والتي تأخذ صفة "القاعدة" (قاعدة
أرخميدس) تستطيع كما الكثير من مثيلاتها أن تصمد في وجه التغيرات في العلم. فخلال
الثورات العلمية الكبيرة وعندما يتغير ما يسميه الفيلسوف الشهير توماس كون الإطار
المعرفي، أو كما يهوى البعض أن ينقلوه إلى العربية باسمه الإنجليزي: (البارادايم- Paradigm shift)، تتغير معه المفاهيم والنظريات المسيطرة في فضاء العلم، لكن
القواعد الثابتة للعلم من مثل قاعدة أرخميدس تبقى كما هي في الإطار المعرفي
الجديد.
لكن ماذا عن القوانين؟
هناك الكثير من القوانين التي ما زالت صامدة لمدة طويلة من الزمن لكن معظم
القوانين التي كانت معروفة مثلاً في القرن السابع عشر قد تغيرت ومن لم يتغير منها
فقد أصبح لها مدلولات أخرى ومعاني مختلفة عن تلك التي كانت قائمة لحظة اقتراحها.
لنأخذ على سبيل المثال لا الحصر، قوانين نيوتن في القوة. فعلى الرغم من أنها ما
زالت تقريب ممتاز للتعامل مع القوى المؤثرة على الأجسام ضمن الأبعاد الطبيعية التي
نتعامل معها في حياتنا اليومية إلا أن الكثير من المفاهيم المرافقة لها قد تغير
بشكل جذري عن المفاهيم التي وضعها نيوتن. فمفهوم الكتلة التي نتعامل معه اليوم ليس
هو مفهوم الكتلة حسب الفهم النيوتوني القديم، كما أن نيوتن قد قدم قانونه على أنه
قانون يسبح في فضاء لا نهائي وزمان سرمدي، والزمان والمكان بحسب الفهم النيوتوني
يختلفان عن ما نعرفه اليوم عن الزمان والمكان. فكما نعرف اليوم فإن الزمان هو بعد
رابع أساسي في مفهوم الفضاء الهندسي فضاء الزمكان (الزمان- المكان). وقوانين نيوتن ستفشل عندما نتعامل مع السرعات
العالية جداً وعندما نتعامل مع الكتل الصغيرة جداً، وهذه اللحظات في الفشل
النيوتوني هي مجالات الثورات العلمية المهمة لبداية القرن العشرين والمتمثلة بثورة
النسبية وثورة ميكانيكا الكم.
وبالتحليل الدقيق لما هو
ثابت (غير متحرك) من الإطار المعرفي النيوتوني، ندرك بأنه النماذج الممثلة للظواهر
الحقيقية وكل ما عدا ذلك تم تجاوزه على المستوى النظري. وبالتالي فالثابت هنا لا
يرتبط بالنظام النيوتوني كما قدمه العقل العلمي في ذلك الوقت والذي أعتمد في
تقديمه على مجموعة الصور المعرفية الراسخة عند نيوتن وكيف تمكن نيوتن من ربط خطوط
المعرفة التي حصل عليها من دراسته للظواهر الطبيعية المعروفة في زمانه.
العلم متحرك وثوري بطبيعته
وهو بذلك يتجاوز الحدود التي يضعها الإنسان له في كل مرة. فنحن نكتشف الجديد الذي
لا يتناسب مع الإطار المعرفي القديم بشكل دائم. وهذه المعرفة الجديدة هي التي
تساعد على تقدم العلم.
No comments:
Post a Comment