حاولت في حلقة
سابقة أن أميز بين العلم واللاعلم، وهنا أريد أن أطرح مفهوم جديد يتعلق بشبه
العلم. هناك الكثير من الفروع المعرفية التي يتأرجح فيها الحكم بين أن تكون علماً
وبين أن لا تكون، فكيف يمكن أن نتصرف معها؟ فهناك على سبيل المثال نظريات التخاطر،
والتي تقول أن بعض البشر يستطيعون أن يلتقطوا ما يفكر به آخرون دون أن تتم عملية
نقل الأفكار باللغة كما هو متعارف عليه. وبالتأكيد فإن المراكز العلمية المرموقة
ترفض أن تعترف بهذا النوع من المعرفة على أنه معرفة علمية. وعلى الرغم من ذلك
فكثير من الأبحاث التي نظمها علماء مرموقون في علم النفس حاولت أن تدرس الظاهرة،
وأن تدرس إمكانية الاعتراف بها كظاهرة يمكن دراستها علمياً.
وكان هناك جملة من التفسيرات التي نقول عنها إنها لها
وقع مشابه للتفسيرات العلمية
(It Sounds Scientific)، كالتفسير الذي يقول بأن كل دماغ إنساني يرسل مجموعة من الذبذبات الخاصة التي يتميز بها، وبالتالي فإذا كان هناك شخص آخر يحمل نفس الذبذبات فهذا الشخص الآخر يستطيع أن يلتقط ما يفكر به الشخص الآخر وبالتالي أن يملك ملكة التخاطر. ويقول لنا من يوافقون على مثل هذا التفسير إن هذا هو التبرير لظاهرة ألفها الناس كثيراً ولكنهم لم يفسروها، إلا وهي ظاهرة أن تفكر بأحد لم تره أو تسمع عنه شيئاً لفترة طويلة من الزمن، وقبل دقائق معدودة من رؤيتك له فعلاً. وهنا يقول هذا التفسير بأن ذلك عائد إلى أن دماغك تمكن من التقاط ذبذبات الشخص الآخر الخاصة مما ساعد على التفكير به قبل رؤيته الفعلية.
(It Sounds Scientific)، كالتفسير الذي يقول بأن كل دماغ إنساني يرسل مجموعة من الذبذبات الخاصة التي يتميز بها، وبالتالي فإذا كان هناك شخص آخر يحمل نفس الذبذبات فهذا الشخص الآخر يستطيع أن يلتقط ما يفكر به الشخص الآخر وبالتالي أن يملك ملكة التخاطر. ويقول لنا من يوافقون على مثل هذا التفسير إن هذا هو التبرير لظاهرة ألفها الناس كثيراً ولكنهم لم يفسروها، إلا وهي ظاهرة أن تفكر بأحد لم تره أو تسمع عنه شيئاً لفترة طويلة من الزمن، وقبل دقائق معدودة من رؤيتك له فعلاً. وهنا يقول هذا التفسير بأن ذلك عائد إلى أن دماغك تمكن من التقاط ذبذبات الشخص الآخر الخاصة مما ساعد على التفكير به قبل رؤيته الفعلية.
كما نرى فإن هذا النوع من التفسيرات حاول أن يستخدم لغة
علمية تحاول أن تبرر وجوداً لظاهرة من الصعب التحقق منها لأنها تعتمد على حقائق
ذاتية لا يمكن عكسها موضوعياً باستقلال عن الذوات المرتبطين بالتبرير، وبالتالي لن
يكون التفسير موضوعياً بالمعنى المقبول به علمياً (أي من النوع الذي يمكن الإقرار
به من قبل معظم الناس دون ريبة أو شك). وبالتأكيد لم يحاول التفسير أن يعزو القدرة
على التخاطر إلى قوى كونية أو قوى خارقة للطبيعة أو خارج الطبيعة مما جعل منه ما
نسميه "يستخدم لغة علمية". وهنا وعلى الرغم من عدم القناعة بالتخاطر أو
بإمكانيته فإننا لا نستطيع أن نرفض القول بأن التفسير المقدم يمكن أن يكون تفسيراً
مقبولاً على المستوى العلمي في المستقبل.
لم يكن يعترف الطب الغربي بأي نوع من الطب غير ذلك الذي
يعتمد على إيجاد التركيب الكيميائي المناسب لمكافحة الأمراض التي تفتك بالجسد
وبالتالي فلم يكن يعترف لا بالطب الصيني ولا بالطب الهندي ولا بطب الأعشاب، على
الرغم من أن هذه الأنواع من الطبابة لها تراث عريق من البحث العلمي الجاد في كل من
الهند والصين والحضارة العربية الإسلامية. لكن الطب الغربي اضطر أن يعترف بهذه
الأنواع من الطبابة لأنه رأى أن الكثير من العناصر الكيميائية المستخدمة في الأدوية
الحديثة لها أعراض جانبية غير محببة، كما أن بعض الأمراض التي لم يتمكن الطب
الكيميائي من معالجتها تتمكن الأنواع الأخرى منها. فنرى أن الوخز بالإبر، والعلاج
بالأعشاب، والعلاج بالتدليك، بدأت تغزو مؤسسات أكاديمية عريقة ويتم طرح تخصصات بها
والاهتمام بها.
هنا كان اعتراف الطب الغربي بهذه الأنواع من الطبابة
طبيعياً ضمن تطور حقل الطب، لأن التفسيرات المقدمة من قبل هذه الأنواع تفسيرات لا
بد أن يتم الاعتراف بها لأنها تفسيرات أقل ما يقال عنه إنه تفسيرات علمية. هذا لا
ينسحب على كثير مما يعرف في بلادنا بالطب الشعبي، والذي يعتمد في تفسيراته ونمط
العلاج المقدم على خبرات لاعلمية أو على قوى تقبع خارج العالم والتي لا يمكن الإقرار
بها، أو حتى تخيل أنها يمكن أن تكون تفسيرات مقبولة علمياً في أي يوم من الأيام مستقبلاً:
كالضرب "لطرد الأرواح الشريرة المتلبسة أحدهم" والتي يقال عن الذين
يعانون من أمراض نفسية تحتاج إلى علاج نفسي جاد، والتي يقرر الطب الشعبي بأن
علاجها يكون إما بالضرب المبرح أو بالرقع والودع وغير ذلك. أو بتلاوة الآيات
الكريمة كأسلوب للعلاج دون تقديم أي دواء أو علاج فعلي.
هناك الكثير من الظواهر التي لم يتمكن العلم من تفسيرها
بعد، وهناك الكثير من النظريات التي تفسر هذه الظواهر انطلاقاً من قناعات معينة
وباستخدام نظريات علمية، لكن لم يتم الاعتراف بها على أنها تشكل جزءاً من الجسم
العلمي. إن هذه النظريات التي تستخدم "لغة علمية" يمكن القول عنها بأنها
نظريات شبه علمية أو على أطراف العلم، ويمكن لنا أن نتخيل أنها ستكون جزءاً من
العلم في يوم من الأيام.
تعطينا الفيزياء مثالاً صارخاً في هذا الاتجاه: ففي
الموصلية الفائقة كان الاعتقاد العلمي المعتمد على النظرية السائدة (1950) يقول
بأن الموصلية الفائقة غير ممكنة إلا ضمن درجات تقترب كثيراً من الصفر المطلق (-273
درجة مئوية)، وبالتحديد تحت درجة 30 مطلق (-243 درجة مئوية). وبالرغم من قبول ذلك
من معظم الفيزيائيين وبالرغم من أن أصحاب النظرية السائدة حصلوا على جائزة نوبل
(1974) إلا أن فيزيائي واحد أصر أن يقدم تفسيراً آخر، لكنه لم يفلح في تقديم برهان
على قناعاته، فعاش منبوذاً بعيداً عن المراكز العلمية، لكنه علم جيلاً من العلماء
نظرياته المغايرة لما هو سائد، وتمكن اثنان من تلاميذه أن يفجروا ثورة في عالم
الموصلية الفائقة عام 1987 بأن صنعوا موصلاً فائقاً يعمل على درجة 172 مطلق (-101
درجة مئوية)، أي أكثر ب140 درجة عن أعلى درجة تعترف بها النظرية السائدة.
وهنا نقول بأنه وعلى الرغم من عدم الاعتراف بشبه العلم
اليوم إلا أنه لا يمكننا القول عن نظرياته المقدمة أنها نظريات لا-علمية أو
خرافية، كل ما يمكن القول عنها إنها نظريات لا يمكن الإقرار بها اليوم لعدم كفاية
الأدلة الداعمة لها.
هل من المفترض أن نقر بتعريف محدد للعلم؟ في حالتنا التعريف السائد، الغربي، يعتمد على رأي القوة أكثر من اعتماده رأي المنطق. اعتقد أن العلم أبعد من الكون الذي نعيش فيه وبالتالي لا نستطيع أن ندرك منه إلا قليلا، ومع ذلك سنبقى نكتشف خطأ ما نعتقده الى الأبد. لا يوجد يقين مطلق في العلم.
ReplyDelete