Friday, 15 January 2016

أيها الشباب العربي: عن أي تغيير نتحدث؟

أيها الشباب العربي: عن أي تغيير نتحدث؟ 
د. توفيق شومر

لا بد أن الشباب العربي يدرك تماماً أهمية التغيير وضرورته، والرسالة الأساسية التي أود أن اشارككم بها هنا تنبع من ضرورة رفع شعار موحد للشباب العربي مفاده أنهم يستطيعون بالفعل تحقيق التغيير. الشباب هو الرافعة الأساسية للتغيير وبغير الدم الشاب والجهد الحقيقي والمضني لن يكون هناك إمكانية للتغيير.
لكن الشباب القادر على التغيير هم الشباب الواعي المتسلح بالمعرفة والثقافة العميقة، لا ذلك الشباب المترهل الراكض وراء الثقافات المعولمة المتهاوية، أو ذاك المتهاوي في أحضان السلفية والتعصب. فالمعرفة هي القوة الفعلية التي تمكن الشباب من إدراك الاحتياجات الحقيقية لهم وتبيان الطرق التي يستطيعون بها الوصول إلى أهدافهم المعلنة. وبما أن المعلومات المتوفرة اليوم منفجرة على ذاتها بحيث يزيد ما يطرح على شبكة الانترنت عن مليون صفحة يومياً، هذا بالإضافة إلى ما يطبع من صحف ومجلات وكتب، فيصبح لزاماً على الشباب أن يتعلموا كيفية تحديد ما يفيدهم من معلومات وما لا يفيدهم.
القضية الأخرى المهمة هنا والتي يحتاجها المجتمع تنبع من الحاجة للوصول إلى الكتلة الحرجة الضرورية للتغيير الايجابي، التغيير الذي يدرك التطورات الحادثة في العالم، التغيير الذي يرافقه التمسك بالعلم والمعرفة، لا ذلك التغيير الذي يعيدنا إلى غياهب الجهالة والاحتكام للماضي بمركباته السلبية. والتغيير لا يتم بجهود فردية متفرقة هنا وهناك، على أهمية هذه الجهود وضرورتها، إنما يحدث عندما يتمكن الجسم الأساسي من المجتمع من إدراك أهمية التغيير، وأن يتمكن من إدراك أن هذا التغيير إنما هو في صالح المجتمع ككل، لا في صالح زمرة مستفيدة.
وبالإضافة إلى هذه العوامل المهمة في المهام الملقاة على عاتق الشباب، فهناك مهمة معرفة ودراسة الوضع القائم في العالم، والوضع القائم في الوطن العربي لتحديد النواقص والاحتياجات التي يحتاجها المجتمع ليتمكن من التحرك نحو التغيير. أي أن مهمة الشباب أن يفهموا واقعهم بشكل دقيق، من خلال دراسة حثيثة لكل العوامل التي تحيط بهم ليتمكنوا من وضع الحلول التي يعتقدوا أنها تمكنهم من تحقيق التغيير.
ولكن هل هذا يعني أن المهمة قد ألقيت على عاتق الشباب وأن باقي المجتمع لا حول له ولا قوة؟ بالتأكيد لا، لكن من سبقوكم في العمل العام قد بذلوا جهود وقدموا تضحيات لكنهم في النهاية لم يتمكنوا من الوصول بالمجتمع إلى الكتلة الحرجة القادرة على التغيير. وبالتالي فمن المهم دراسة الطرق التي اتبعت ودراسة النجاحات السابقة والإخفاقات السابقة للوصول إلى فهم أعمق للتجربة لكي يتمكن الشباب من المسير بطرق جديدة قد تكون موفقة أكثر مما كانت عليه طرق أسلافهم.    
ما يحدث اليوم في ظل مرحلة اختلاط الأوراق التي يمر بها عالمنا العربي، والتحول إلى مرحلة من الظلامية العارمة وانتشار الصراع المسلح بين المكونات الاجتماعية المختلفة في الوطن العربي، والتي تزكيه النعرات الدينية والطائفية والقبلية، في ظل غياب العقلانية والعلمية وفي ظل التعريفات المجتزئة للديمقراطية وحقوق الإنسان، والتي تحصر الديمقراطية "بديمقراطية سياسية" محدودة يحكمها مفهوم ديمقراطية صناديق الاقتراع، ودون المساس ببنية النظم القائمة إلا على المستوى الشكلي فقط، يدفع إلى التساؤل حول ما هي العوامل المؤثرة بالفعل في بنية التحول نحو تغيير سياسي حقيقي في الوطن العربي وكيف يمكن لهذه التغيير أن يتبنى ديمقراطية حقيقية؟
يجب في البداية أن نؤكد أن الديمقراطية هي سيرورة لا يمكن أن تحدث بمجرد الحديث عنها، إنما لا بد من أن تترافق مع جملة من التحولات الاجتماعية والسياسية والقانونية التي تجعل منها مركباً أساسياً في التفكير اليومي للمواطن العربي في تعامله مع جميع القضايا لا مع القضايا السياسية فقط. الرافعة الأساسية لهذه السيرورة هم الشباب الواعي المتسلح بمصالح مجتمعه العربي الرافض للتبعية لأي قوى أجنبية أمريكية كانت أم تركية أم إيرانية. القضية لا ترتبط فقط في فك التبعية من القوى المهيمنة اليوم، ولكن أيضاً، وبشكل أساسي، في بناء قوانا الذاتية التي تجعلنا نتعامل مع الآخرين بندية ومساواة لا بضعف وهوان. 
ولذلك لا بد هنا أن نقول لشبابنا العربي: نعم أنتم من سيتمكن بالفعل من تحقيق تحول المجتمع ليكون مجتمعاً مدنياً بالمعنى الحرفي والتقني للكلمة، لا بشكله الحالي المليء بالشعارات الفارغة. المجتمع المدني لا يتشكل فقط من منظمات المجتمع المدني بل بالأساس من قدرة المجتمع على أن يكون مجتمعاً مدنياً، يقبل الاختلاف والتعددية.   
وترتبط قدرة المجتمع على التحول ليكون بالفعل مجتمعاً مدنياً على مفهوم بسيط هو مفهوم المواطنة. فالمواطنة عماد التحول نحو مجتمع مدني. والمواطنة عماد تحول المجتمع نحو الحرية والديمقراطية الحقيقية.
لكي يكون الفرد مواطناً بالمعنى التقني للكلمة، لا بمفهوم من يحمل جواز سفر دولة، فعلى هذا الفرد-المواطن أن يشعر بأنه جزءاً من الدولة وعلى أن مشاركته الفاعلة في النشاطات المجتمعية والسياسية تؤدي بالضرورة إلى التأثير الفاعل على مجريات الأمور في الدولة. ومن أهم المرتكزات الأساسية لهذا الشعور ينبع من المفهوم المتعارف عليه للحقوق المدنية والذي تبنى عليه علاقة الفرد بالدولة: أن الحكم هو من الشعب وللشعب، وأن الحقوق الأساسية للإنسان هي حقوق طبيعية له لا يحق لأي كان أن يحرمه منها. وبالتالي في اللحظة التي يشعر فيها الفرد بأن مشاركته السياسية هي بالفعل التي تؤدي إلى تحديد من سيقود البلاد على المستوى السياسي في تلك اللحظة فقط يبدأ الفرد بالتحول في شعوره نحو الدولة من كونه فرداً فيها إلى كونه مواطناً له حقوقه وعليه واجباته. لكن طالما أن الفرد لا يشعر أن بيده حيلة ولا يشعر بأنه قادر على التأثير بالسياسات العامة، فأنه لن يتمكن من التأثير بالفعل في هذه السياسات العامة ولن يكون لديه أدى مشاعر المواطنة.
المواطنة هي أن تشعر بأن لك حقوق يضمنها الدستور لا الولاء للسلطة. أي أنك ستأخذ الامتيازات عينها التي يأخذها أي مواطن آخر إذا كنت مؤيداً لسياسة الحكومة القائمة أم معارضاً لها.
المواطنة تعني أن الفرد إذا أختلف بتحليله لمسألة ما عن تحليل غيره، ولكن ضمن انتمائه لوطنه وضمن التزامه بمصلحة الوطن، فهذا لن يجعله خائناً أو عميلاً، فالاختلاف لا يجب أن يفسد للود قضية. الخيانة تتمثل في أن يقوم المواطن بخدمة أهداف أعداء الأمة والتسليم بالتبعية وقبول الاحتلال.
ويترافق مع المواطنة مفهوم المسؤولية الاجتماعيةSocial Responsibility  وهي تنطلق بشكل أساسي من ضرورة الانخراط الطوعي للمواطنين في علاقتهم مع الدولة، وفي مشاركتهم المجتمعية في بناء المؤسسات المدنية والمجتمعية التي يمكنها أن تسهم في تقدم المجتمع، بما في ذلك الاختيار الحر والمسؤول لممثلي الشعب ولمن يتحدث بأسمهم.  
ولكن ما الدور الذي يمكن للشباب أن يلعبه في هذه المعادلة؟ نقول بأن الشباب هم الرافعة الأساسية للتمكن من التحول الفعلي نحو مجتمع مدني حقيقي وفاعل. فالشباب بمشاركتهم الفاعلة في العمل العام سيتمكنون من فرض دورهم وفعلهم على المجتمع وبالتالي وبهذه الممارسة هم يلغون شعور الاغتراب المسيطر على الكثير منهم، ويعملون إلى الوصول إلى حقوقهم كمواطنين فاعلين. المجتمعات البشرية الديمقراطية والمدنية والمتطورة لم تصل إلى الحال التي هي عليه اليوم دون عمل دءوب وتضحيات من قبل مواطنيها، بل أنها استمرت في التضحية لأكثر من قرنين من الزمان إلى اللحظة التي يعيشوها اليوم.
التغيير الايجابي، المبني على الانفكاك من التبعية والداعم لبناء القوى الذاتية للمجتمع لكي يتمكن من التحول إلى مجتمع منتج متسلح بالعقل والعلم والمعرفة النقدية، هو الشعار الذي يجب أن يرفعه الشباب، والتغيير لا يمكن أن يتحقق بغير الانخراط في العمل نحو التغيير من جسم مناسب من الشباب. فإذا لم يصل عدد الشباب المقتنعين بالتغيير وبقدرتهم على التغيير إلى ما يمكن تسميته بالكتلة الحرجة للتغيير.

صحيح أن التراكمات الصغيرة التي تعمل عليها المنظمات والتنظيمات المختلفة يمكنها أن تشكل حجم يمكنه أن يؤدي إلى تغيرات نوعية على صعيد معين إلا أنها لا تشكل التراكم الكافي للتغيير المنشود. لذلك فعلى الشباب أن يشكلوا روافع اجتماعية تتعدى المنظمات العاملة على قضايا صغيرة ومحددة إلى العمل معاً للوصول إلى الكتلة الكافية للتغيير الاجتماعي.   

No comments:

Post a Comment