Saturday, 30 November 2019

ماركس الانساني

https://www.wihdaparty.com/%D9%85%D8%A7%D8%B1%D9%83%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%86%D8%B3%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D8%AF-%D8%AA%D9%88%D9%81%D9%8A%D9%82-%D8%B4%D9%88%D9%85%D8%B1/

ماركس الإنساني/ د.توفيق شومر

د. توفيق شومر – أستاذ مشارك – قسم الفلسفة الجامعة الأردنية
“لم يفعل الفلاسفة إلى اليوم إلا تفسير العالم، المهمة الأساسية هي تغييره” كارل ماركس
أراد لنا آلتوسير، ومعه الكثير من الماركسيين، أن ننظر إلى فكر ماركس على أنه ينقسم إلى مرحلتين، مرحلة الشباب، ومرحلة النضج، ويقول أن هناك “قطيعة معرفية” بين المرحلتين تجعل مرحلة الشباب لا دخل لها بما آلت إليه أفكار ماركس. على الرغم من أنني كنت من هؤلاء لردح من الزمن إلا أنني اليوم أرفض هذا التحليل لفكر ماركس. فالتغيير الثوري والفعل الثوري بالنسبة لماركس هو عينه الفعل الإنساني. فالإنسان لا بد أن ينظر إليه على أنه جزء من الواقع الموضوعي ولكنه الجزء الفاعل في هذا الواقع وبالتالي هو يتأثر “بالظروف والتربية والبيئة” ولكن هذا التأثر ليس تأثر ميكانيكي، بل إن الإنسان يؤثر أيضا في هذه الظروف. وبالتالي لا يكفي أن نحلل الواقع الاقتصادي الاجتماعي الذي أنتج فكرة معينة ولكن لا بد أن ننظر إلى الفاعلية الإنسانية المرافقة وما يمكن لهذه الفاعلية أن تؤثر في الواقع الإقتصادي الاجتماعي.
تغيير العالم ليس فعلًا ميكانيكيًا حتميًا، بل هو فاعلية إنسانية واعية منظمة، هي التحام النظري مع العملي، وبالتالي ما لم نلتحم بالواقع ونعي تطورات الواقع وتأثير الإنسان (بمختلف مشاربه الفكرية) على هذا الواقع، فلن يكون بمقدور الثوري أن يؤثر بالفعل في هذا الواقع. نحن اليوم نعيش مرحلة فقدت المفاهيم الإنسانية العالية مكانتها، فبالرغم من كل ما يقال عن “حقوق الإنسان” فإن الفعل في الواقع أبعد ما يكون عن هذه الحقوق. وعليه قد يكون من المهم اليوم توضيح العلاقة الثورية بين الفعل الثوري للإنسان مع إعلاء الفهم الثوري للمفاهيم الإنسانية.  
يقوم الكثير من المفكرين بنقد بعض الأفكار على أنها “أفكار متخلفة” أو أنها “أفكار من العهد البائد”، فيقال مثلاً “أن الأفكار الدينية السائدة اليوم تعود إلى الماضي وأن أصحابها يعيشون في الماضي”، ولكن هذه النظرة لما يحدث في الواقع اليوم هي التي تجعل من “البرامج الثورية” المقترحة على أساس هذه النظرة برامج منفصلة عن الواقع ولا يمكنها من حيث المبدأ أن تؤثر في الواقع. فما يحدث في فضاء الفكر اليوم يجب أن يتم التفكير به بإدراك كيف يتم إعادة إنتاج الماضي في الحاضر. وإعادة الإنتاج هذه ليست عودة للعيش في الماضي ولكنها نتاج للحاضر وبالتالي فإن التعامل معها لا بد أن يكون في الحاضر وليس في الهجوم على الماضي.
إن الأفكار المتطرفة والإرهابية التي تطرح اليوم هي نتاج الفاعلية الإنسانية من خلال نمط الانتاج المسيطر اليوم ملتحمة مع إعادة تأويل للنص الديني، وهنا فإن الفاعلية الإنسانية المؤثرة في المنتج النهائي هي فاعلية متشابكة بين فعل واعٍ للطبقة المسيطرة (محلياً وعالمياً) وفعلٍ آخر من قبل من يعتقد أنه يعيد إحياء الماضي في الحاضر. وبالتالي فإن ما يحدث كنتاج لتفاعل هذا الفكر مع الواقع يلعب في مصلحة الإمبريالية العالمية لأن هذه الإمبريالية قد ساهمت في إنتاجه بالفعل.
الفعل الثوري المقابل لا بد أن يكون بوعي هذه العملية المتداخلة والمعقدة التي تنتج مجموعات يعتقد أنها تعيش بالماضي ولكنها بالفعل تخدم (من حيث تدري أو لا تدري) مصالح الإمبريالية وديمومة سيطرتها. وبالتالي فإن البرامج الثورية للقوى المناهضة للإمبريالية لا بد أن تتركز على الهجوم على عملية تشويه الوعي السائد اليوم وعلى الفاعلية اللاإنسانية التي تقوم بها الإمبريالية بمختلف أشكالها: أي على الشكل السخيف الذي تقدمه هذه الإمبريالية ل”حقوق الإنسان” وعلى المنتجات الفكرية التي يتم تسويقها لتشويه الواقع وتعمية الرؤى لهذا الواقع بكل أشكالها (الحركات الإرهابية، الفردانية المطلقة، …. ألخ).  المطلوب برامج ثورية تركز على كشف هذا التشويه من خلال الهجوم على من ينتج هذا الفكر المشوه اليوم لا من خلال الهجوم على أفكار من الماضي. ولكي أضعها بشكل يمكن فهمه في حالة الفكر الإرهابي فإن الهجوم اليوم يجب أن يكون على التفسيرات الإرهابية والمجموعات الإرهابية والفكر الإرهابي اليوم وليس على ابن تيمية وعلى محمد بن عبد الوهاب. فما يتم التعامل معه اليوم هو ما يتم إنتاجه في حقبة الإمبريالية المتوحشة وليس ما قالاه هذان الشخصان (على أهمية تأثيرهما) في الماضي. أي المهم التعامل مع الحاضر بأدوات الحاضر لا باستحضار الماضي في الحاضر.
إن التأكيد على هذا الفهم يعيدنا إلى ماركس وتأكيده على أن الفاعلية الحسية الإنسانية هي فاعلية ثورية متفاعلة مع الواقع ولأجل تغيير هذا الواقع، فلنُعد التأكيد على إنسانيتنا في مواجهة الفكر والممارسة اللا – إنسانية التي تمثلها الإمبريالية المتوحشة المسيطرة اليوم ووجها الآخر المتمثل بالفكر المتطرف والإرهابي والذي لا ينحصر بمنطقتنا، بل يتمثل أيضا بظهور الأفكار العنصرية والمتطرفة في الكثير من أصقاع الأرض.     

Friday, 29 November 2019

الصراع الجيوسياسي على المنطقة

مقابلتي في برنامج أكرم خزام قنديل

مناظرة حول احتمالية وجود كائنات فضائية

أنطونيو غرامشي ومفهوم الحزب

أنطونيو غرامشي ومفهوم الحزب

https://www.youtube.com/watch?v=RKbwHmG_vC8 

الامبريالية اليوم

الامبريالية اليوم

https://www.youtube.com/watch?v=iyTd5yu-FgQ

إشكالية السببية

هابرماس والفعل التواصلي

هابرماس والفعل التواصلي
https://www.youtube.com/watch?v=hwLJOet3YqI 

حوارية الدولة مع أ. صادق الخواجا

حوارية الدولة مع أ. صادق الخواجا

https://www.youtube.com/watch?v=av1oKha_Z8E 

سلطة المعرفة

محاضرة عن فلسفة الفيزياء

الظاهراتية من هوسرل إلى الواقعية الظاهراتية

كيف يمكن قراءة فوكو

كيف نقرأ ميشيل فوكو
https://www.youtube.com/watch?v=Ib577_LfqFc

حلقة مع قناة رؤيا حول الحياة إمكانيات خارج الأرض

حلقة رؤية حول احتمالات الحياة خارج الأرض
https://www.youtube.com/watch?v=AHqhpJLNH6k

التعليم الفلسفي في الأردن

أهمية تدريس الفلسفة

أهمية تدريس الفلسفة
https://www.youtube.com/watch?v=rOZ7-URoTwE

Wednesday, 22 June 2016

الجغرافيا السياسية وأنعكاسها على المنطقة العربية

كنت قد قدمت محاضرة في المنتدى العربي بتاريخ 3/11/2015 حول الجغرافيا السياسية ولم أدفع بها للنشر ولكن الأحداث اليوم تؤكد بعض ما قلته حينها.















Thursday, 17 March 2016

الإسلام والعروبة


الإسلام والعروبة
 توفيق شومر


نشر لأول مرة في عام 2008  

 بالرغم من الكتابات الكثيرة التي تناولت موضوع العلاقة بين العروبة والإسلام إلا أنه وخلال العقدين الأخيرين بدأت هذه الفكرة تخبو من العقل الجمعي العربي. القضية المحورية التي أريد أن أركز عليها هي أن العلاقة بين العروبة والإسلام ليست فقط علاقة فكر بلغة، فالإسلام هنا ليس فقط ديناً يستخدم العربية كلغة تخاطر رئيسية، بل هناك بعد آخر يقبع في الخلفية الثقافية والحضارية المترافقة مع التزاوج بين الإسلام والعروبة.
        فعلى الرغم من الانتشار السريع للدين الإسلامي بين ثقافات وحضارات مختلفة في العالم أجمع، إلا أن التزاوج الذي ترافق بين الإسلام والعروبة على المستوى الحضاري لم يتكرر في حالات أخرى.
        فلنأخذ على سبيل المثال الحالة الباكستانية. فعلى الرغم من انتشار الإسلام في باكستان وعلى الرغم من اعتناق الشعب الباكستاني للإسلام، إلا أن الإسلام في باكستان هو للحضارة الباكستانية مركب ديني مستقل عن المركب الحضاري الثقافي المسيطر في المجتمع الباكستاني. فالعادات والتقاليد السائدة على الرغم من تأثرها بالإسلام إلا أنها ما زالت تحتكم إلى العادات والتقاليد السائدة في المنطقة. ولذلك فمن الممكن وبسهولة، أن يكون هناك تقارب بين سكان الهند والباكستان أكثر منه بين سكان باكستان وسكان دولة إسلامية أخرى.
        وتتكرر هذه الحالة في اندونيسيا وأفغانستان وإيران وغيرها من الدول الإسلامية غير العربية. فنجد على سبيل المثال أن الشعب الإيراني يحتفل بالنيروز، وهذا الاحتفال بالرغم من علاقته بالديانة المجوسية القديمة في إيران، إلا أنها لم تختفِ مع دخول الإسلام. وهنا الاختلاف حضاري، لا ديني. فالشيعة العرب في لبنان والعراق لا يحتفلون بهذا العيد.  إذن هو ليس مرتبطاً بتفسير شيعي للاحتفال وإنما هو احتفال حضاري يرتبط بالحضارة الفارسية. ونرى أيضاً أن كثير من مظاهر الحضارة الفارسية قبل الإسلام ما زالت تعشعش في الذهنية العامة للشعب في إيران. ففي منطقة شيراز، وهي معقل الحكم في ظل الحكم الفارسي قبل الإسلام (منطقة تخت أمشيد) نرى حتى اليوم أن الشعلة المجوسية ما زالت تشعل.     
        لقد نزل الإسلام في جزيرة العرب، فخاطب أهل الجزيرة بما يعرفونه من عادات وتقاليد ورفع الحسن منها ورفض السيئ بها، وطور الكثير منها لتتناسب مع الدين والدعوة. وعندما نحلل هذه الحقيقة ندرك أن الخطاب الإسلامي تبنى البعد الثقافي العربي كخلفية ضرورية لخطاب أهل الجزيرة، ولذلك فقد رأينا وبشواهد كثيرة خلال فترة انتشار الإسلام السهولة التي انتشر بها خلال المنطقة الناطقة بالعربية بالمقارنة مع الصعوبة التي واجهته في المناطق غير العربية.
        هذا البعد الحضاري الثقافي للعلاقة بين الإسلام والعروبة يبرز بشكل كبير في كيفية تعامل أصحاب الديانات الأخرى في المنطقة العربية مع الدين الإسلامي. ففي حالات كثيرة انضوى هؤلاء تحت راية الإسلام في الحرب ضد غير العرب. ولذلك فمن الطبيعي أن نجد أن المسيحي العربي مثلاً، كان تاريخياً ينسجم في العادات والتقاليد مع العربي المسلم أكثر من انسجام المسلم غير العربي مع المسلم العربي.
        الترابط بين العروبة والإسلام ترافق أيضاً مع نهضة الحضارة العربية الإسلامية وقدرتها على التواصل والنمو والازدهار. وليس مستغرباً بالتالي أن هذه الحضارة بدأت بالتراجع والانحطاط مع سيطرة غير العرب على مقاليد الحكم فيها، حيث بدأ هؤلاء يهابون التلاحم بين الإسلام والعروبة ويحاولون بشتى السبل كسره، وتحويل الإسلام إلى شكله الديني غير المتوافق أو غير المتلاحم مع العربية كحضارة وتراث. ونجد أن هؤلاء قد قاموا بقمع الشعب العربي والحضارة العربية وبدأ التراجع في تعليم العربية في كثير من المواقع، وبرزت هذه الحركة في أوجها على يد الحكم العثماني الذي أدخل التركية إلى لغة التعامل الرسمي، والذي قضى على التعليم العام الذي كانت تقوم به المساجد، حتى أصبح من يتقن العربية والكتابة والقراءة هم صفوة بينما الشعب جاهل.     
        وقد ساهم العرب بكل قطاعاتهم ومشاربهم، مسلمين وغير مسلمين في النهضة العربية وببعث الحياة في الثقافة والحضارة العربية، وبالأخص خلال القرن التاسع عشر وبعد حكم محمد علي. فشهد الوطن العربي عودة إلى دراسة التراث العربي الإسلامي، وإلى تأكيد العلاقة الوثيقة بين العروبة والإسلام التي حاول كثيرون عبر قرون تحطيمها. وحققت هذه الحركة نجاحات كبيرة وبشكل سريع مما يؤكد أنها لم تكن وليدة الصدفة أو بدعة حديثة وإنما هي بعث لأفكار لطالما شكلت الموروث الثقافي والحضاري للأمة العربية.
        ولكن وللأسف الشديد، وخلال العقدين الأخيرين بدأنا نرى هجوماً متواصلاً على هذا التلاحم بين العروبة والإسلام ومن مواقع كثيرة، قد يظهر بعضها بمظهر من يريد أن يؤكد على عالمية الإسلام، لكن جوهرها جميعاً، بما فيها تلك التي تؤكد على عالمية الإسلام، يتلخص  بضرب العلاقة التاريخية بين العروبة والإسلام. وليس القصد من هذه السطور معارضة فكرة عالمية الإسلام، إلا أن قضية الإسلام عربياً تتجاوز الدين إلى الدين والحضارة. وبالتالي فتأكيد العلاقة بين العروبة والإسلام هو تأكيد لانتماء أبناء هذه الأمة بكل مشاربهم وطوائفهم إلى الحضارة العربية الإسلامية وإلى الإسلام كحضارة بغض النظر عن دينهم أو أصلهم. فالعروبة كما نؤكد دائماً هي شعور قومي ثقافي لا عرقي. وعندما يتم التأكيد على عالمية الإسلام في ظل تفكك الأمة العربية فإنما يراد من ذلك ضرب فكرة الوحدة العربية لأنها الفكرة الممكنة والواقعية التي يهاب منها، بينما فكرة الوحدة الإسلامية غير ممكنة واقعياً في عالم اليوم انطلاقاً من الاختلافات الثقافية والحضارية التي تحتكم لها الدول الإسلامية.
        أما على الطرف الآخر فنجد النزعات الطائفية والعرقية تحاول أن تفك العلاقة بين العروبة والإسلام في مقابل الإدعاء بأن غير المسلمين من العرب ليسوا جزءاً من النسيج المشكِل للحضارة العربية الإسلامية أو أنهم "مظلومون" في ظل سيطرة الإسلام. وبالتأكيد فهذا الشعور مدسوس من خلال عمليات إعلامية ظلامية مستمرة عبر عقود. وبالرغم من قوة وضخم واندفاع هذه الآلة الإعلامية، إلا أنها لم تتمكن بعد من الوصول إلى التفكيك التي تريده، وما زال العرب بكل طوائفهم مقتنعين بالترابط المتلازم بين العروبة والإسلام.


Saturday, 13 February 2016

اللغة أداةً لتعمية المعرفة

اللغة أداةً لتعمية المعرفة
19/8/2005

 د. توفيق شومر
      اللغة، هي وسيلة الاتصال الأولى بين البشر، وهي أداة التخاطب وهي معين تطور الأفكار. لقد بدأ التخاطب بين البشر باستخدام مجموعة من الأصوات التي تشابه الأصوات الموجودة في الطبيعة، ثم تطور أسلوب التخاطب فاستخدم مجموعة من الأشكال المعبرة عن موجودات الطبيعة. لم يكن الإنسان البدائي يحتاج أكثر من ذلك لإيصال ما يفكر به من احتياجات أساسية لغيره من البشر، ولم تكن بعد تعقيدات الحياة قد دخلت قاموسه.
      مع بدء تحول المجتمع إلى المجتمع الطبقي، أو مع ظهور تقسيم العمل البدائي بدأت المجتمعات البشرية ترسي أسس لغاتها، أو لنقل جملة الحروف والمفردات التي ستلعب الدور الأساسي في انتقال المعرفة من معرفة مباشرة لموجودات الطبيعة، إلى معرفة عن موجودات الطبيعة.   وكان من الطبيعي بعد أن وجدت وسائل التخاطب السهلة (اللغة)، أن ينتقل المجتمع البشري إلى انتاج مفاهيم خاصة، باعتبار أن اللغة هي الأداة التي بها يتمكن الفكر من تجريد الواقع.
      وبرزت الأسطورة كأول شكل من أشكال التركيب المفهومي، والتي بها بدأ الإنسان يتعالى عن احتياجاته الجسدية المباشرة إلى احتياجاته الذهنية، وأدى تطور الأسطورة إلى نشوء الأفكار الفلسفية والدينية والعلمية في المجتمعات السياسية التي تشكلت في مرحلة متقدمة من التطور البشري. وبذلك تكون الأسطورة عبارة عن الشكل الجنيني للفكر الناتج عن بدء تشكل المجتمع المدرك.
      لتوضيح ما أقصد فإن المجتمع الإنساني بدأ يدرك علاقاته الإنتاجية منذ أن اتضحت فكرة تقسيم العمل الاجتماعي وبالتالي اتضح الدور المنوط بالفرد في المجتمع وترافق مع هذا الإدراك تطور في استخدام اللغة لتتناسب مع التطورات الاجتماعية الطبقية، وبالتالي السياسية، للمجتمع البشري. ومن الواضح أن مجتمعاً طبقياً على الرغم من بدائيته يحمل بداخله التناقضات الكامنة بين علاقات الإنتاج وقوى الانتاج. وسواء كان هذا التناقص مدركاً ذهنياً أو غير مدرك، فإنه سيؤثر على أي منتج ذهني مرافق له.
      وانطلاقاً من ذلك فإن التركيبات اللغوية التي ترافقت مع هذا التطور، والأشكال الفكرية التي ساعدت في تبلور هذه التركيبات ، كانت محتكمة للتناقض القائم في المجتمع، فكان من الطبيعي أن تحمل اللغة في طياتها تناقضات الواقع المعاش لأنها إن بشكل مباشر أو غير مباشر عبارة عن انعكاس لهذا الواقع.
      وإذا امعنا النظر بالفلسفة اليونانية وهي إحدى أوائل النشاطات الإنسانية الذهنية الواعية نجد أنها حملت بداخلها تناقضاً بين مدرستين فلسفيتين ستستمران بالتأثير على الفكر الإنساني طويلاً هما المدرسة المادية (ديمقريطس والايونيين وابيقور) والمدرسة المثالية بفرعيها المثالية المتعالية (افلاطون) والمثالية الهابطة إلى الأرض (ارسطو)، وأن عدنا إلى الوراء قليلاً لنبحث في أساطير الشرق المتوسط خلال الفترة السابقة لتشكل الفكر الفلسفي لوجدنا داخل التركيبة الأسطورية تناقضاً بين مثالية غير ناجزة ومادية غير واضحة. فإن كانت الغلبة حينها للفكر المثالي، فهذا طبيعي نتيجة لسيطرة طبقة (الأسياد) في المجتمع، والتي رأت في الفكر المثالي التبرير الكافي لسيطرتها الطبقية.
      ومع استمرار تطور المجتمعات وظهور الفكر الديني، وتحوله إلى أن يكون الشكل الفكري المرافق للسيطرة الطبقية إن في روما القيصرية أو في غيرها من البلدان التي اعتمدت على الفكرة الدينية في إحكام سيطرتها السياسية. وخلال مجمل هذا التطور الفكري السياسي، تطورت اللغة وحملت قوانينها وتركيباتها وتعابيرها التي بالضرورة أصبحت متشبعة بالأفكار والتركيبات المثالية والتعابير المثالية، وبالتالي أصبح المجتمع أسيراً لهذه المفاهيم وأصبحت مع الوقت امكانية تحريكها وتعريتها أمامه عملية معقدة وصعبة، وستنحصر مع الأيام بمجموعة من الأشخاص الذين يستغلون بالعمل الذهني.
      فالكثير من المفاهيم التي أقحمت في التركيبات اللغوية، تعبر عن وضع مثالي طبقي من نوع ما كتعابير (عدالة، حرية، ديمقراطية) لأنها لم تكن لتظهر إلا كنتيجة للواقع الطبقي للمجتمع، ولطبيعة الفكر المثالي المسيطر، وحتى لو اتخذت هذه الألفاظ طابعها المدافع عن حقوق معينة في فترة نشوئها. ولم يكن هناك ضرورة لنشوئها إلا نتيجةً لغياب مردوداتها في المجتمع الطبقي، أو لنقل غياب ما تعبر عنه، فوجب نشوؤها رداً على النقيض السائد. ومن ناحية ثانية، نجد أيضاً مفاهيم تعبر عن حاجات دينية (أسرار، لاهوت، جوهر، مكنون)، وأخرى تعبر عن أشكال خاصة للسيطرة (اوتوقراطية، ثيوقراطية). فأضحت جملة المفاهيم مجتمعة والتي تتشكل منها اللغة هي مفاهيم تشكل في غالبيتها مفاهيم مثالية منتجاً للسيطرة السياسية لهذا الفكر المثالي.
      والآن ونحن ننظر لهذا التطور التاريخي للغة ما زلنا نستخدم التراكيب اللغوية والمفاهيم نفسها, وكأنها أصبحت جزءاً من الواقع الموضوعي لا جزءاً من منتج فوقي تطور تاريخياً ضمن الظروف العامة لتطور المجتمع البشري.
      ولذلك وفي كثير من الأحيان وإن لم ندقق في ما تقوله اللغة بشكل مستتر، وإن لم نعن خطورة بعض التركيبات اللغوية والتعابير المفهومية سنقع بالتعمية المعرفية التي تقوم بها اللغة، وإن بغير قصد منا.

      وللتغلب على هذه الصعوبة، التي أصبحت بعد ثلاثة آلاف عام من نشوء اللغة جزءاً من التركيبة الاجتماعية، أقول بأن علينا أن نقوم بتغيير جذري للتركيبات اللغوية وإعادة نظر شاملة بجملة الأدوات المفهومية حتى نتمكن من تخليص اللغة من المفاهيم الميتافيزيقية التي تشبعت بها، وبالتالي، ومن خلال عملية المراجعة والتغيير هذه سنتمكن من إدراك ما هي المفاصل اللغوية التي لا تحمل بداخلها أفكاراً قبلية عن سيطرة مثالية عن تلك التي تحمل، وبهذه العملية المعقدة جداً نستطيع أن نحاكم معرفتنا إن هي معرفة عن الواقع أو هي معرفة عن رؤيتنا الخاصة للواقع.

Friday, 5 February 2016

هل يمكن للفكر أن يحيا من أجل الفكر؟ ....... إنه سؤال العلماء العرب المسلمين الأوائل

 
هل يمكن للفكر أن يحيا من أجل الفكر؟

  د. توفيق شومر
     
كيف تعامل العلماء العرب – المسلمون، خلال حقبة النهوض العربي – الإسلامي، مع الحضارة الانسانية التي سبقتهم أو تلك التي عاصروها، وكيف كان أسلوب المفكرين والمثقفين العرب في مرحلة النهوض الثانية أو ما يعرف بعصر النهضة وما بعده؟  
      أدرك العلماء العرب – المسلمون المعرفة التي توصلت إليها حضارات أخرى مهمة وأساسية في مختلف العلوم، ولكي يستطيعوا التواصل مع تلك المعارف، يجب أن يقوموا بفهمها وهضمها لكي يضيفوا إليها ويكملوا من حيث انقطع غيرهم.
    
فكيف تعامل العلماء ، إذن ، مع هذه المعارف والحضارات؟        
      قام العلماء العرب – المسلمون بعملية نقل وترجمة واسعة لمعارف عصرهم من اللغات اليونانية والفارسية والهندية وغيرها، إذ أنهم أدركوا أهمية أن تكون هذه العلوم موجودة باللغة العربية، للمساعدة على فهم هذه العلوم من قبل طالبي العلم أولاً والعوام عامة. ويلاحظ خلال عمليات الترجمة ترافقها مع شروح خاصة للمترجمين عن مفاهيم وفروع العلوم المترجمة، والظروف التي كُتبت فيها إن كانت معروفة.   
      وقد استخدم العلماء العرب – المسلمون هذه العلوم بتصرف وبسطوها بحيث تكون في متناول كل من يحتاجها. وكذلك نجد أن اهتمام العوام بتحصيل ما يستطيعون فهمه ساعد في أن يدفع العلماء إلى مزاوجة هذه العلوم المترجمة مع التراث العربي والحضارة الاسلامية، بهدف جعلها محايثة للواقع المعاش فلا يشعر طالب العلم باغتراب عند مطالعتها.
      ويلاحظ أنه دخلت في بعض الأحيان بعض المفاهيم الحضارية إلى المجتمع وامتزجت بالحضارة العربية- الإسلامية من دون أن تحدث أي إرباك من حيث أنها مفاهيم "غير أصيلة" في المجتمع. فإن كان استمرار بعضها انحصر في مجموعات ضيقة، في ما بعد، نتيجة لأحداث سياسية معينة فذلك لا يفيد بأنها كانت غريبة عن المجتمع حينها. ومن الأمثلة الكثيرة في هذا الصدد أورد فقط مثالي المتصوفة والبابكية. فالمتصوفة تأثروا بالروحانيات وعلومها التي عرفوها من الهند، ولكنهم أخضعوها للتعديل والنقد حسب آلية فهمهم للتراث الإسلامي. وبذلك جانسوا ما بين تلك الروحانيات وبين تعاليم الدين. فنجد ابن عربي يركّز على العلاقة بين الأسماء وأصحابها ومعاتي هذه العلاقة تماماً كما تركز عليها الديانات الهندية القديمة، لكنه لم يستخدم المفهوم كما هو إنما استخدمه لتحليل أسماء الله أولاً ثم أسماء الأنبياء وهكذا. أما عن البابكية فمعروف أنها كانت متأثرة بالتعاليم المزدكية القديمة وأنها حاولت التوفيق ما بين التعاليم المزدكية وتعاليم الإسلام.
      لم يشعر العلماء العرب – المسلمون بضعف أو إهانة عندما استخدموا بحريّة علوم الحضارات الأخرى، إذ أنهم كانوا يدركون حدود العلاقة وطبيعتها بين تلك العلوم والحضارات وبين الحضارة والعلوم العربية – الإسلامية. ولذلك لا يجد ابن سينا أو الفارابي أو ابن رشد أي ضير في وصف افلاطون أو أرسطو بالمعلم. ولم يصفوا يوماً أفكار الإغريق بأنها "فكر مستورد".   
     
ماذا عن مرحلة النهضة وما بعدها؟      
      لقد ابتدأت العملية النهضوية بشكل جيد، إذ نجد أن مفكري عصر النهضة قد استجابوا لمتطلبات العصر واهتموا، وإن بشكل محدود، بإدخال المفاهيم التي استقوها من الحضارة الغربية إلى جسم الوعي العربي. لكن، للأسف، تحولت هذه العملية مع الوقت إلى عملية شكلية لنقل العلوم بصورة أكاديمية تعتمد الأسلوب ذاته المستخدم في بلدانها. وعلى رغم شكلية عملية الترجمة والنقل فإنها بقيت ضعيفة ومحدودة. وبرزت العلاقة ما بين الفكر والتراث العربي وبين الفكر الغربي على شكل "اشكالية" ، فهي للبعض اشكالية الأصالة والمعاصرة ولآخرين اشكالية العلاقة بين الإسلام وأعداء الإسلام أو اشكالية "الجوّاني والبرّاني" وهكذا ، حتى أصبح أي فكر غير مرتبط بالموروث التراثي فكر مستورد.       
      كانت العلاقة بين العلماء العرب المسلمين ومجتمعهم، كما قلنا، علاقة ادغام وتواصل، أما علاقة المثقفين والمفكرين العرب الآن مع مجتمعهم فعلاقة انقطاع واغتراب. حتى المفكرين الذين يقولون ببعث الموروث الحضاري العربي – الاسلامي فهم أيضاً لم يجدوا حالة تواصل مع مجتمعهم لأنهم يتعاملون، بالضبط مع التراث بالطريقة نفسها التي يتعامل غيرهم فيها مع الفكر الناتج عن حضارات أخرى.
      إن التواصل مع ما وصلت إليه الحضارة الإنسانية الآن من علم ومعرفة ومن علاقات فكرية وحضارية، يتم من خلال الفهم الاجتماعي لطبيعة هذا التطور ومعانيه. ولا يكون ذلك إلا عبر نقل لهذه العلوم ليس فقط من حيث هي علوم بل أيضاً نقل ملامحها الحضارية وارتباطها بطبيعة التطور الاجتماعي للمجتمع الذي أُنتجت فيه، وربطها من ثم بالواقع الحضاري العربي لكي تكون مفهومة ليس فقط للمختصين إنما أيضاً (وبروحها العامة كعلوم على الأقل) لمن يطلبها.
      والاحتكاك مع الفكر الانساني بآخر ما توصل إليه في سجاله المتواصل، أمر له الأهمية ذاتها التي هي للتواصل مع العلوم البحتة. وهذا الاحتكاك لن يؤدي بنا بالضرورة إلى محو تراثنا وما أنتجه من فكر عريق، بل سيؤدي إلى عملية من التزاوج قد تنتج جديداً يستطيع التواصل مع الجسم الاجتماعي العربي. وقراءة الفكر المنتج من قبل الحضارات الأخرى إضافة إلى قراءة التراث يجب أن تكونا انطلاقاً من فهمنا لاحتياجات الجسم الاجتماعي وباحتكاك مباشر معه لكي يتفاعل ما ينتج عن هذه القراءة مع الواقع المعاش، فالفكر لا يمكن أن يحيا من أجل الفكر.
      تتردد أقوال كثيرة هنا وهناك، وفي كثير من الأحيان، أن العوام في المجتمع العربي لا يستطيعوا استيعاب الفكر المنتج، ولذلك فهم يهربون إلى ما يستطيعون فهمه. وإلى الطرف الذي لا يحتاج منهم إلى عناء التفكير. لكن ليس هذا هو الوضع، فما يحدث حقيقة أن ما ينتج من فكر ينتج في حالة اغتراب عن واقعه في أكثر الأحيان، وإن لم تكن هذه هي الحال فإنه يسعى لتغييبه ولتغريبه من قبل الأجهزة المرتطبة بآلة الإعلام الغربية، وبهدف إبقاء الحال على ما هو عليه، لأن في ذلك مصلحة للآلية الاقتنصادية المسيطرة عالمياً.    
      فالديموقراطية، مثلاً، لا يمكن أن تصبح جزءاً من وعي الناس إلا بعد أن يمارسوها ويعرفوا معانيها وما ترمي إليه من خلال احتكاكهم ومعايشتهم للحياة الديموقراطية، وليس فقط من خلال سماعهم عنها في الإذاعات من دون رؤية مردوداتها في الواقع. الشعوب الأوروبية لم تخلق ديموقراطية وإنما تطور وعيها بها من خلال ممارستها.    
      إن عملية البعث الحضاري للحضارة العربية – الإسلامية في القرن العشرين لا تكون باستنساخ أفكار العلماء والفلاسفة العرب – المسلمين في القرن التاسع، ولكن بإعادة انتاج الفكر على ضوء علاقته بالحضارة والفكر الإنساني في أعلى مراحل تطوره، وإدغامه بالمجتمع عن طريق التعامل مع معطياته. هذا، بالضبط ما قام به العلماء العرب المسلمون في مرحلة النهوض الأولى ولذلك تفوقوا وأبدعوا، فهل نبدع ونتفوق؟!