هل
يمكن للفكر أن يحيا من أجل الفكر؟
د. توفيق شومر
كيف
تعامل العلماء العرب – المسلمون، خلال حقبة النهوض العربي – الإسلامي، مع الحضارة
الانسانية التي سبقتهم أو تلك التي عاصروها، وكيف كان أسلوب المفكرين والمثقفين
العرب في مرحلة النهوض الثانية أو ما يعرف بعصر النهضة وما بعده؟
أدرك العلماء العرب – المسلمون المعرفة التي توصلت إليها حضارات أخرى مهمة وأساسية في مختلف العلوم، ولكي يستطيعوا التواصل مع تلك المعارف، يجب أن يقوموا بفهمها وهضمها لكي يضيفوا إليها ويكملوا من حيث انقطع غيرهم.
أدرك العلماء العرب – المسلمون المعرفة التي توصلت إليها حضارات أخرى مهمة وأساسية في مختلف العلوم، ولكي يستطيعوا التواصل مع تلك المعارف، يجب أن يقوموا بفهمها وهضمها لكي يضيفوا إليها ويكملوا من حيث انقطع غيرهم.
فكيف
تعامل العلماء ، إذن ، مع هذه المعارف والحضارات؟
قام العلماء العرب – المسلمون بعملية نقل وترجمة واسعة لمعارف عصرهم من اللغات اليونانية والفارسية والهندية وغيرها، إذ أنهم أدركوا أهمية أن تكون هذه العلوم موجودة باللغة العربية، للمساعدة على فهم هذه العلوم من قبل طالبي العلم أولاً والعوام عامة. ويلاحظ خلال عمليات الترجمة ترافقها مع شروح خاصة للمترجمين عن مفاهيم وفروع العلوم المترجمة، والظروف التي كُتبت فيها إن كانت معروفة.
وقد استخدم العلماء العرب – المسلمون هذه العلوم بتصرف وبسطوها بحيث تكون في متناول كل من يحتاجها. وكذلك نجد أن اهتمام العوام بتحصيل ما يستطيعون فهمه ساعد في أن يدفع العلماء إلى مزاوجة هذه العلوم المترجمة مع التراث العربي والحضارة الاسلامية، بهدف جعلها محايثة للواقع المعاش فلا يشعر طالب العلم باغتراب عند مطالعتها.
ويلاحظ أنه دخلت في بعض الأحيان بعض المفاهيم الحضارية إلى المجتمع وامتزجت بالحضارة العربية- الإسلامية من دون أن تحدث أي إرباك من حيث أنها مفاهيم "غير أصيلة" في المجتمع. فإن كان استمرار بعضها انحصر في مجموعات ضيقة، في ما بعد، نتيجة لأحداث سياسية معينة فذلك لا يفيد بأنها كانت غريبة عن المجتمع حينها. ومن الأمثلة الكثيرة في هذا الصدد أورد فقط مثالي المتصوفة والبابكية. فالمتصوفة تأثروا بالروحانيات وعلومها التي عرفوها من الهند، ولكنهم أخضعوها للتعديل والنقد حسب آلية فهمهم للتراث الإسلامي. وبذلك جانسوا ما بين تلك الروحانيات وبين تعاليم الدين. فنجد ابن عربي يركّز على العلاقة بين الأسماء وأصحابها ومعاتي هذه العلاقة تماماً كما تركز عليها الديانات الهندية القديمة، لكنه لم يستخدم المفهوم كما هو إنما استخدمه لتحليل أسماء الله أولاً ثم أسماء الأنبياء وهكذا. أما عن البابكية فمعروف أنها كانت متأثرة بالتعاليم المزدكية القديمة وأنها حاولت التوفيق ما بين التعاليم المزدكية وتعاليم الإسلام.
لم يشعر العلماء العرب – المسلمون بضعف أو إهانة عندما استخدموا بحريّة علوم الحضارات الأخرى، إذ أنهم كانوا يدركون حدود العلاقة وطبيعتها بين تلك العلوم والحضارات وبين الحضارة والعلوم العربية – الإسلامية. ولذلك لا يجد ابن سينا أو الفارابي أو ابن رشد أي ضير في وصف افلاطون أو أرسطو بالمعلم. ولم يصفوا يوماً أفكار الإغريق بأنها "فكر مستورد".
قام العلماء العرب – المسلمون بعملية نقل وترجمة واسعة لمعارف عصرهم من اللغات اليونانية والفارسية والهندية وغيرها، إذ أنهم أدركوا أهمية أن تكون هذه العلوم موجودة باللغة العربية، للمساعدة على فهم هذه العلوم من قبل طالبي العلم أولاً والعوام عامة. ويلاحظ خلال عمليات الترجمة ترافقها مع شروح خاصة للمترجمين عن مفاهيم وفروع العلوم المترجمة، والظروف التي كُتبت فيها إن كانت معروفة.
وقد استخدم العلماء العرب – المسلمون هذه العلوم بتصرف وبسطوها بحيث تكون في متناول كل من يحتاجها. وكذلك نجد أن اهتمام العوام بتحصيل ما يستطيعون فهمه ساعد في أن يدفع العلماء إلى مزاوجة هذه العلوم المترجمة مع التراث العربي والحضارة الاسلامية، بهدف جعلها محايثة للواقع المعاش فلا يشعر طالب العلم باغتراب عند مطالعتها.
ويلاحظ أنه دخلت في بعض الأحيان بعض المفاهيم الحضارية إلى المجتمع وامتزجت بالحضارة العربية- الإسلامية من دون أن تحدث أي إرباك من حيث أنها مفاهيم "غير أصيلة" في المجتمع. فإن كان استمرار بعضها انحصر في مجموعات ضيقة، في ما بعد، نتيجة لأحداث سياسية معينة فذلك لا يفيد بأنها كانت غريبة عن المجتمع حينها. ومن الأمثلة الكثيرة في هذا الصدد أورد فقط مثالي المتصوفة والبابكية. فالمتصوفة تأثروا بالروحانيات وعلومها التي عرفوها من الهند، ولكنهم أخضعوها للتعديل والنقد حسب آلية فهمهم للتراث الإسلامي. وبذلك جانسوا ما بين تلك الروحانيات وبين تعاليم الدين. فنجد ابن عربي يركّز على العلاقة بين الأسماء وأصحابها ومعاتي هذه العلاقة تماماً كما تركز عليها الديانات الهندية القديمة، لكنه لم يستخدم المفهوم كما هو إنما استخدمه لتحليل أسماء الله أولاً ثم أسماء الأنبياء وهكذا. أما عن البابكية فمعروف أنها كانت متأثرة بالتعاليم المزدكية القديمة وأنها حاولت التوفيق ما بين التعاليم المزدكية وتعاليم الإسلام.
لم يشعر العلماء العرب – المسلمون بضعف أو إهانة عندما استخدموا بحريّة علوم الحضارات الأخرى، إذ أنهم كانوا يدركون حدود العلاقة وطبيعتها بين تلك العلوم والحضارات وبين الحضارة والعلوم العربية – الإسلامية. ولذلك لا يجد ابن سينا أو الفارابي أو ابن رشد أي ضير في وصف افلاطون أو أرسطو بالمعلم. ولم يصفوا يوماً أفكار الإغريق بأنها "فكر مستورد".
ماذا
عن مرحلة النهضة وما بعدها؟
لقد ابتدأت العملية النهضوية بشكل جيد، إذ نجد أن مفكري عصر النهضة قد استجابوا لمتطلبات العصر واهتموا، وإن بشكل محدود، بإدخال المفاهيم التي استقوها من الحضارة الغربية إلى جسم الوعي العربي. لكن، للأسف، تحولت هذه العملية مع الوقت إلى عملية شكلية لنقل العلوم بصورة أكاديمية تعتمد الأسلوب ذاته المستخدم في بلدانها. وعلى رغم شكلية عملية الترجمة والنقل فإنها بقيت ضعيفة ومحدودة. وبرزت العلاقة ما بين الفكر والتراث العربي وبين الفكر الغربي على شكل "اشكالية" ، فهي للبعض اشكالية الأصالة والمعاصرة ولآخرين اشكالية العلاقة بين الإسلام وأعداء الإسلام أو اشكالية "الجوّاني والبرّاني" وهكذا ، حتى أصبح أي فكر غير مرتبط بالموروث التراثي فكر مستورد.
كانت العلاقة بين العلماء العرب المسلمين ومجتمعهم، كما قلنا، علاقة ادغام وتواصل، أما علاقة المثقفين والمفكرين العرب الآن مع مجتمعهم فعلاقة انقطاع واغتراب. حتى المفكرين الذين يقولون ببعث الموروث الحضاري العربي – الاسلامي فهم أيضاً لم يجدوا حالة تواصل مع مجتمعهم لأنهم يتعاملون، بالضبط مع التراث بالطريقة نفسها التي يتعامل غيرهم فيها مع الفكر الناتج عن حضارات أخرى.
إن التواصل مع ما وصلت إليه الحضارة الإنسانية الآن من علم ومعرفة ومن علاقات فكرية وحضارية، يتم من خلال الفهم الاجتماعي لطبيعة هذا التطور ومعانيه. ولا يكون ذلك إلا عبر نقل لهذه العلوم ليس فقط من حيث هي علوم بل أيضاً نقل ملامحها الحضارية وارتباطها بطبيعة التطور الاجتماعي للمجتمع الذي أُنتجت فيه، وربطها من ثم بالواقع الحضاري العربي لكي تكون مفهومة ليس فقط للمختصين إنما أيضاً (وبروحها العامة كعلوم على الأقل) لمن يطلبها.
والاحتكاك مع الفكر الانساني بآخر ما توصل إليه في سجاله المتواصل، أمر له الأهمية ذاتها التي هي للتواصل مع العلوم البحتة. وهذا الاحتكاك لن يؤدي بنا بالضرورة إلى محو تراثنا وما أنتجه من فكر عريق، بل سيؤدي إلى عملية من التزاوج قد تنتج جديداً يستطيع التواصل مع الجسم الاجتماعي العربي. وقراءة الفكر المنتج من قبل الحضارات الأخرى إضافة إلى قراءة التراث يجب أن تكونا انطلاقاً من فهمنا لاحتياجات الجسم الاجتماعي وباحتكاك مباشر معه لكي يتفاعل ما ينتج عن هذه القراءة مع الواقع المعاش، فالفكر لا يمكن أن يحيا من أجل الفكر.
تتردد أقوال كثيرة هنا وهناك، وفي كثير من الأحيان، أن العوام في المجتمع العربي لا يستطيعوا استيعاب الفكر المنتج، ولذلك فهم يهربون إلى ما يستطيعون فهمه. وإلى الطرف الذي لا يحتاج منهم إلى عناء التفكير. لكن ليس هذا هو الوضع، فما يحدث حقيقة أن ما ينتج من فكر ينتج في حالة اغتراب عن واقعه في أكثر الأحيان، وإن لم تكن هذه هي الحال فإنه يسعى لتغييبه ولتغريبه من قبل الأجهزة المرتطبة بآلة الإعلام الغربية، وبهدف إبقاء الحال على ما هو عليه، لأن في ذلك مصلحة للآلية الاقتنصادية المسيطرة عالمياً.
فالديموقراطية، مثلاً، لا يمكن أن تصبح جزءاً من وعي الناس إلا بعد أن يمارسوها ويعرفوا معانيها وما ترمي إليه من خلال احتكاكهم ومعايشتهم للحياة الديموقراطية، وليس فقط من خلال سماعهم عنها في الإذاعات من دون رؤية مردوداتها في الواقع. الشعوب الأوروبية لم تخلق ديموقراطية وإنما تطور وعيها بها من خلال ممارستها.
إن عملية البعث الحضاري للحضارة العربية – الإسلامية في القرن العشرين لا تكون باستنساخ أفكار العلماء والفلاسفة العرب – المسلمين في القرن التاسع، ولكن بإعادة انتاج الفكر على ضوء علاقته بالحضارة والفكر الإنساني في أعلى مراحل تطوره، وإدغامه بالمجتمع عن طريق التعامل مع معطياته. هذا، بالضبط ما قام به العلماء العرب المسلمون في مرحلة النهوض الأولى ولذلك تفوقوا وأبدعوا، فهل نبدع ونتفوق؟!
لقد ابتدأت العملية النهضوية بشكل جيد، إذ نجد أن مفكري عصر النهضة قد استجابوا لمتطلبات العصر واهتموا، وإن بشكل محدود، بإدخال المفاهيم التي استقوها من الحضارة الغربية إلى جسم الوعي العربي. لكن، للأسف، تحولت هذه العملية مع الوقت إلى عملية شكلية لنقل العلوم بصورة أكاديمية تعتمد الأسلوب ذاته المستخدم في بلدانها. وعلى رغم شكلية عملية الترجمة والنقل فإنها بقيت ضعيفة ومحدودة. وبرزت العلاقة ما بين الفكر والتراث العربي وبين الفكر الغربي على شكل "اشكالية" ، فهي للبعض اشكالية الأصالة والمعاصرة ولآخرين اشكالية العلاقة بين الإسلام وأعداء الإسلام أو اشكالية "الجوّاني والبرّاني" وهكذا ، حتى أصبح أي فكر غير مرتبط بالموروث التراثي فكر مستورد.
كانت العلاقة بين العلماء العرب المسلمين ومجتمعهم، كما قلنا، علاقة ادغام وتواصل، أما علاقة المثقفين والمفكرين العرب الآن مع مجتمعهم فعلاقة انقطاع واغتراب. حتى المفكرين الذين يقولون ببعث الموروث الحضاري العربي – الاسلامي فهم أيضاً لم يجدوا حالة تواصل مع مجتمعهم لأنهم يتعاملون، بالضبط مع التراث بالطريقة نفسها التي يتعامل غيرهم فيها مع الفكر الناتج عن حضارات أخرى.
إن التواصل مع ما وصلت إليه الحضارة الإنسانية الآن من علم ومعرفة ومن علاقات فكرية وحضارية، يتم من خلال الفهم الاجتماعي لطبيعة هذا التطور ومعانيه. ولا يكون ذلك إلا عبر نقل لهذه العلوم ليس فقط من حيث هي علوم بل أيضاً نقل ملامحها الحضارية وارتباطها بطبيعة التطور الاجتماعي للمجتمع الذي أُنتجت فيه، وربطها من ثم بالواقع الحضاري العربي لكي تكون مفهومة ليس فقط للمختصين إنما أيضاً (وبروحها العامة كعلوم على الأقل) لمن يطلبها.
والاحتكاك مع الفكر الانساني بآخر ما توصل إليه في سجاله المتواصل، أمر له الأهمية ذاتها التي هي للتواصل مع العلوم البحتة. وهذا الاحتكاك لن يؤدي بنا بالضرورة إلى محو تراثنا وما أنتجه من فكر عريق، بل سيؤدي إلى عملية من التزاوج قد تنتج جديداً يستطيع التواصل مع الجسم الاجتماعي العربي. وقراءة الفكر المنتج من قبل الحضارات الأخرى إضافة إلى قراءة التراث يجب أن تكونا انطلاقاً من فهمنا لاحتياجات الجسم الاجتماعي وباحتكاك مباشر معه لكي يتفاعل ما ينتج عن هذه القراءة مع الواقع المعاش، فالفكر لا يمكن أن يحيا من أجل الفكر.
تتردد أقوال كثيرة هنا وهناك، وفي كثير من الأحيان، أن العوام في المجتمع العربي لا يستطيعوا استيعاب الفكر المنتج، ولذلك فهم يهربون إلى ما يستطيعون فهمه. وإلى الطرف الذي لا يحتاج منهم إلى عناء التفكير. لكن ليس هذا هو الوضع، فما يحدث حقيقة أن ما ينتج من فكر ينتج في حالة اغتراب عن واقعه في أكثر الأحيان، وإن لم تكن هذه هي الحال فإنه يسعى لتغييبه ولتغريبه من قبل الأجهزة المرتطبة بآلة الإعلام الغربية، وبهدف إبقاء الحال على ما هو عليه، لأن في ذلك مصلحة للآلية الاقتنصادية المسيطرة عالمياً.
فالديموقراطية، مثلاً، لا يمكن أن تصبح جزءاً من وعي الناس إلا بعد أن يمارسوها ويعرفوا معانيها وما ترمي إليه من خلال احتكاكهم ومعايشتهم للحياة الديموقراطية، وليس فقط من خلال سماعهم عنها في الإذاعات من دون رؤية مردوداتها في الواقع. الشعوب الأوروبية لم تخلق ديموقراطية وإنما تطور وعيها بها من خلال ممارستها.
إن عملية البعث الحضاري للحضارة العربية – الإسلامية في القرن العشرين لا تكون باستنساخ أفكار العلماء والفلاسفة العرب – المسلمين في القرن التاسع، ولكن بإعادة انتاج الفكر على ضوء علاقته بالحضارة والفكر الإنساني في أعلى مراحل تطوره، وإدغامه بالمجتمع عن طريق التعامل مع معطياته. هذا، بالضبط ما قام به العلماء العرب المسلمون في مرحلة النهوض الأولى ولذلك تفوقوا وأبدعوا، فهل نبدع ونتفوق؟!
إن إنكار حرية الفكر والمشاركة هو دائما وسيلة للمحافظة على بعض المصالح الخاصة , فجميع القيود على حرية التعبير بدعوى إثارة الفتنة أو الإساءة للوطن أو الزندقة , تتعارض مع سعادة المجتمع .فأي اعتداء على الحرية واستعمال العقل يقابل التصدي من قبل هؤلاء المصممين على درئه , وهو الضمان الوحيد الذي قد نملكه كمواطنين . فسر الحرية هو دائما في آخر الشجاعة على التصدي ضد الذين يستهترون في عقولنا , الذين يريدون منا فقط التنفيذ ولاستماع , والمباركة . فان أنجع وسيلة للفصل بين الصدق والزيف هي المناقشة العقلية الحرة , أي عملية تمييز عن طريق النقد الرشيد , حيث يجبر أولئك الذين يحملون الرأي الزائف على الدفاع عن موقفهم على أسس رشيدة , أما إذا كان الرأي كامل الصواب , فسوف لا يأتي أي مكسب على الإطلاق من منع التعبير , وحجز الحرية وعدم استعمال العقل يعرقل الابتكار ويقلل السعادة , ويساعد أولئك الذين يستفيدون منها على الانتفاع ببقائها , ولكن هذا يكون على حساب المجتمع في مجموعه .
ReplyDelete